يوسف بن يحيى الصنعاني

180

نسمة السحر بذكر مَن تشيع وشعر

وكل خبره في الجود عجيب ، ومن أعجبه : ما حدّثت به زوجته ماويه ، قالت : أصابتنا سنة أذهبت الخفّ والحافر وقحط الحيّ قحطا شديدا حتى لم يبق لحاتم إلّا فرسه ، فكنت ليلة معه في الخباء ، ومعنا عدي وسفّانة ، ولده وبنيه يتصاغون من الجوع فأخذ هو عديا وأخذت أنا سفّانة ، فجعلنا نعلّلهما حتى ناما ، ثمّ أنه ناداني ليعلم أنمت أم لا وقد علمت ما به من الجوع فلم أجبه ليظن أني نمت ، فسكن فلما انتصف الليل سمعنا حشا ، فقال حاتم : من هذا ؟ فإذا امرأة في جانب الخباء كالجنية جهدا ، فقالت : يا أبا سفّانة جئتك من عند صبيّة يتصاغون من الجهد ، فأطرق ساعة ثم قال لها : إذهبي فائتني بهم فو اللّه لأشبعنك وأيّاهم ، قالت ماوية ، فقلت : وبماذا ؟ فو اللّه ما نام صبيانك من شدة الجوع إلّا بالتعليل ، فقال : إسكني فو اللّه لأشبعنّ صبيانك مع صبيانها ، ثم قام إلى شفرة فأخذها ، ولا واللّه أعلم في بيته ما يأكله ذو كبد إلّا فرس بقيت له ، فقام إليها فنحرها ثم أشعل نارا ، فجاءت المرأة فجعلت تشوي منها وتأكل وتطعم الصبية ، وقمت أنا ففعلت مثلها وجعل يشوي ويكبب ويطعم المرأة وأولادها ثم قال : واللّه أن هذا لهو اللّؤم ، يأكل هؤلاء وأهل الصرم حالهم مثلهم ، ثم جعل يدور في الصرم بيتا بيتا فيقول عليكم النار فأقبل أهل الصرم ، وقعد ناحية متقنعا بكسائه وهو ينظر إليهم ، ولا واللّه ما ذاق منها شيئا وأنّه لأشدّهم جوعا ، ولم يصبح من الفرس إلّا عظم أو حافر . ومن شعره : أيا ابنة عبد اللّه وابنة مالك * ويا ابنة ذي الجدين والفرس الوردي إذا ما عجنت الزاد فالتمسي له * أكيلا فإني لست آكله وحدي ومناقبة لا تحصى ، وسبيت ابنته سفّانة فمنّ عليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم بعد أن همّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام أن يستوهبها منه لمّا أعجبته ، قال علي عليه السّلام : فلمّا تكلمت نسيت جمالها لفصاحتها ، فقالت : يا رسول اللّه هلك الوالد وغاب الوافد فامنن عليّ منّ اللّه عليك فإني ابنة حاتم طي ، وإن أبي كان يكسو العاري ، ويفك العاني ، ويعين على نوائب الحق ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم : هذه مكارم الأخلاق ، لو كان أبوك مسلما ترحّمنا عليه ، فمن وافدك ؟ قالت عدي بن حاتم ، فلما علم النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم أنّها ابنة حاتم منّ عليها وكساها ، وسألته أينفع حاتم كرمه ؟ قال : نعم ، وقال لها : ما فعل عدي الفارّ من اللّه ورسوله وكان هرب إلى الشام نصرانيا فلما بلغه ما حصل لأخته من الإكرام عاد فأسلم وكان شريفا ، ومن